خليل الصفدي

126

أعيان العصر وأعوان النصر

يفرّ من الحين المجتاح ، ولا يرى في وسط المعركة إلّا وهو إلى الموت يرتاح ، هذا إلى ديانة متينة ، وصيانة مبينة ، له راتب يكفيه من غير سرف ، ويقيم أوده إذا ماد أو انحرف . امتدت أيامه قريبا من أربعين سنة ، ثم إنه عهد بالخلافة إلى ولده المستكفي باللّه أبي الربيع سليمان ، وكان الحاكم قد نجا في كائنة بغداد ، واختفى ثم إنه سار مع الزين صالح بن البناء ، والنجم بن المشا ، وقصدوا أمير خفاجة حسين بن فلاح ، وأقاموا مدّة ، ثم توصلوا إلى دمشق ، وأقام بالبر عند عيسى بن مهنا « 1 » ، فعرف به الناصر صاحب حلب « 2 » فطلبه ، وجاء هولاكو ، ولما جرى ما جرى ، ودخل المظفر دمشق بعد واقعة عين جالوت ، بعث أميرا يطلب الحاكم فاجتمع به وبايعه ، وتسامع به عرب الشام فساروا معه ، وآل فضل خلق فافتتح بهم عانة وهيت والأنبار ، وحارب القراؤول في سنة ثمان وخمسين وستمائة فهزمهم ، وقتل منهم ثمانية مقدمين وأزيد من ألف ، وما قتل من عسكره سوى ستة ، فأقبل التتار مع قرابغا فتحيّز الحاكم ، وأقام عند ابن مهنا ، ثم كاتبه طيبرس نائب دمشق فقدمها ، فبعث به إلى مصر ، وصحبه الثلاثة الذين رافقوه من بغداد ، فاتّفق وصول المستنصر قبله إلى مصر بثلاثة أيام ، فخاف الحاكم منه وتنكّر ، ورجع ماشيا وصحبه الزين الصالحي إلى دمشق ، فاختفى بالعقيبة ثم قصدا سلمية ، وصحبتهما جماعة أتراك فقاتلهم قوم ونجا الحاكم ، وقصد الأمير البرلي ، فقبل البرلي يده ، وبايعه هو وأهل حلب ، وساروا إلى حران ، فبايعه بنو تيمية بها ، وصار معه نحو ألف من التركمان وغيرهم ، وقصدوا عانة ، فصادفوا المستنصر الأسود فعمل عليه ، واستمال التركمان فخضع الحاكم وبايعه ، والتقوا بالتتار فانكسر المسلمون ، وعدم المستنصر ونجا الحاكم ، فأتى الرحبة ونزل على ابن مهنا ، فكتب إلى السلطان فطلبه ، فسار إلى القاهرة وبويع بإمرة المؤمنين ، وسكن في برج القلعة ليس له في الأمر شيء سوى الدعاء في الخطبة ، وطلب له إلى مصر الإمام شرف الدين بن المقدسي « 3 » ، فأقام معه نحو سنة يفقهه ويعلمه ويكتّبه ، وأجاز له ابن عبد الدائم ، وابن أبي اليسر ، ولم يحدّث . قال الشيخ شمس الدين الذهبي : وخرج له ابن الخباز بخطه الوحش ، وانتخابه العفش ، أربعين جزءا بالإجازة ، فبعث بذلك إلى الوراقة . وكانت وفاته سنة إحدى وسبعمائة في ليلة الجمعة الثامن عشر من جمادى الأولى ،

--> ( 1 ) انظر : شذرات الذهب : 5 / 383 ، البداية 13 / 231 . ( 2 ) الناصر صاحب حلب هو : يوسف بن محمد ، المتوفى في سنة : 658 ه . ( انظر : التحفة 2 / 154 ) . ( 3 ) الإمام شرف الدين المقدسي هو : أحمد بن أحمد بن نعمة ، المتوفى في سنة : 694 ه . ( انظر : البداية والنهاية : 13 / 341 ) .